سيد محمد طنطاوي

255

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

ويصح أن يكون عرض الأمانة على السماوات والأرض والجبال على سبيل الحقيقة . . وقال القفال وغيره : العرض في هذه الآية ضرب مثل ، أي : أن السماوات والأرض والجبال على كبر أجرامها ، لو كانت بحيث يجوز تكليفها ، لثقل عليها تقلد الشرائع ، لما فيها من الثواب والعقاب . أي : أن التكليف أمر حقه أن تعجز عنه السماوات والأرض والجبال ، وقد حمله الإنسان وهو ظلوم جهول لو عقل . وهذا كقوله : لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ ، لَرَأَيْتَه خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّه . . . . وقال قوم : إن الآية من المجاز : أي : أنا إذا قايسنا ثقل الأمانة بقوة السماوات والأرض والجبال ، رأينا أنها لا تطيقها ، وأنها لو تكلمت لأبت وأشفقت ، فعبّر عن هذا بعرض الأمانة . كما تقول : عرضت الحمل على البعير فأباه ، وأنت تريد : قايست قوته بثقل الحمل فرأيت أنها تقصر عنه . . وقيل : * ( عَرَضْنَا ) * يعنى عارضنا الأمانة بالسموات والأرض والجبال ، فضعفت هذه الأشياء عن الأمانة . ورجحت الأمانة بثقلها عليها . . « 1 » . ويبدو لنا أن حمل الكلام على الحقيقة أولى بالقبول ، لأنه ما دام لم يوجد مانع يمنع منه ، فلا داعي لصرفه عن ذلك . ومما لا شك أن قدرة اللَّه - تعالى - لا يعجزها أن تخلق في السماوات والأرض والجبال إدراكا وتمييزا ونطقا لا يعلمه إلا هو - سبحانه . واللام في قوله - سبحانه - : * ( لِيُعَذِّبَ اللَّه الْمُنافِقِينَ والْمُنافِقاتِ . . ) * متعلقة بقوله : * ( وحَمَلَهَا الإِنْسانُ . . . ) * . أي : وحملها الإنسان ليعذب اللَّه - تعالى - بعض أفراده الذين لم يراعوها ولم يؤدوا ما التزموا بحمله وهم المنافقون والمنافقات والمشركون والمشركات * ( ويَتُوبَ اللَّه عَلَى الْمُؤْمِنِينَ والْمُؤْمِناتِ ) * أي : ويقبل اللَّه - تعالى - توبة المؤمنين والمؤمنات ، بأن يكفر عنهم سيئاتهم وخطاياهم . * ( وكانَ اللَّه ) * - تعالى - وما زال * ( غَفُوراً رَحِيماً ) * أي : واسع المغفرة والرحمة لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى .

--> ( 1 ) تفسير القرطبي ج 14 ص 254 .